حسن الأمين

22

مستدركات أعيان الشيعة

« ملندي » ، وحدد تاريخه ب 22 من ابريل سنة 1498 م . أو خلال زيارة فاسكو دي گاما لملندي في ذلك الشهر ، وحدد شخصية الملندي على أنه فاسكو دي گاما ذاته . ولكنه حاول ، مشكورا ، أن يدفع تهمة السكر عن أحمد بن ماجد ، ليثبت عليه اقتراف ذلك العمل الذي « بعده مسلمو مكة خيانة عظمى » ( 1 ) ، وزاد على كل ذلك هاما جدا ، لم يرد في نص النهروالي ، ولو تلميحا ، وهو أنه جعل أحمد بن ماجد يتولى قيادة أسطول دي گاما من ملندي إلى كليكوت . مناقشة فران فإذا تدبرنا جيدا أسطورة النهروالي ، واستعرضنا وقائعها على ضوء الواقع التاريخي ، وجدنا ما استنتجه فران منها ، لا يستقيم بحال من الأحوال . يقول النهروالي : « وكانت طائفة منهم ( من البرتغاليين ) يركبون من زقاق سبتة في البحر ويلجون في الظلمات . . في مكان كثير الأمواج فلا تستقر به سفائنهم ، وتنكسر ولا ينجو منهم أحد . واستمروا على ذلك مدة ، وهم يهلكون في ذلك المكان ، ولا يخلص من طائفتهم أحد إلى بحر الهند ، إلى أن خلص منهم غراب إلى الهند ، فلا زالوا يتوصلون إلى معرفة هذا البحر ، إلى أن دلهم شخص ماهر ، يقال له أحمد بن ماجد ، صاحبه كبير الفرنج ، وكان يقال له » الملندي « ، وعاشره في السكر ، فعلمه الطريق في حال سكره ، وقال لهم لا تقربوا الساحل من ذلك المكان ، وتوغلوا في البحر ، ثم عودوا فلا تنالكم الأمواج . إن هذا المكان الكثير الأمواج ، الذي لا يستقر به السفائن ، هو على ما يبدو الطرف الغربي الجنوبي من القارة الإفريقية ، فهو المكان الوحيد الذي تنطبق عليه تلك الصفات . وأول من حاول الوصول إليه ، ووصله فعلا ، من البرتغاليين ، دياز ، في أواخر سنة 1486 م كما مر بنا . وقبله لم تقترب أية سفينة برتغالية من رأس الرجاء الصالح ، ولم تنكسر في مياهه بطبيعة الحال . ودياز أيضا ، هو أول من خلص إلى الطرف الغربي من المحيط الهندي حيث يلتقي المحيطان . ولكنه لم يصل إلى السواحل الإفريقية الشرقية ، ولم يفقد ولا سفينة واحدة في تلك السفرة . وإذا افترضنا أنه اجتمع بأحمد بن ماجد ، فلا بد أن يكون ذلك الاجتماع قد تم في جنوب إفريقية ، فهذا أقصى ما بلغه في تلك السفرة . ولكننا لا نجد فيما وصل إلينا من كتب أحمد بن ماجد أية إشارة لتلك المنطقة . ولا يعقل أن يهمل الحديث عنها ، لو كان قد وصل إليها ، لميله القوي إلى التظاهر بالعلم والمعرفة . كما اننا لا نجد أي ذكر لمثل هذا الاجتماع فيما نشر من وثائق البرتغاليين . وثاني من اجتاز رأس الرجاء الصالح ، هو فاسكو دي گاما . ولكنه لم تنكسر له ولا سفينة واحدة أيضا ، إلا بعد أن اجتاز ذلك المكان الكثير الأمواج الذي تنكسر فيه سفائنهم . فقد شتر ( 2 ) إحدى سفنه في ناحية ما من جنوب إفريقية ، بعد أن نقل أمتعتها ورجالها إلى سفنه الأخرى . ولم يفقد أحدا من رجاله . وأول نكبة مني بها البرتغاليون عند رأس الرجاء الصالح ، هي تلك التي حلت بحملة بيدرو الفارس كبرال في 24 مايو سنة 1500 م ، حيث غرقت له أربع سفن بجميع من كان على ظهرها . فإذا أردنا أن نحمل كلمات النهروالي على محمل الجد ، فلا يمكن أن يكون خلوص ذلك الغراب البرتغالي إلى بحر الهند ، لأول مرة ، إلا بعد أن توالت النكبات على البرتغاليين في ذلك المكان الكثير الأمواج ، أي بعد نكبة بيدرو الفارس كبرال في سنة 1500 م على الأقل ، ولا يمكن أن يكون اجتماع « الملندي » بأحمد بن ماجد ، قد تم على افتراض وقوعه ، إلا بعد خلوص ذلك الغراب البرتغالي إلى الهند وعودته منها بزمن ما ، قد يكون في تلك السنة نفسها ، وقد يكون بعدها . فكيف يمكن أن يكون أحمد بن ماجد هو الذي قاد فاسكو دي گاما إلى الهند ، مع أنه لم يجتمع به إلا بعد عودته من الهند كما تقول تلك الأسطورة ؟ ثم اننا نعلم بصورة مؤكدة ، أن فاسكو دي گاما ، كان قد خلص إلى بحر الهند ، ووصل إلى ملندي ، قبل ذلك التاريخ بسنتين على الأقل ، وعلى التحقيق في ابريل سنة 1498 م . فكيف نوفق بين هذه المتناقضات ؟ الواقع أن النهروالي كان يتحدث عن موضوع يجهل ملابساته كلها جهلا تاما ، فلفق وخلط ، كما هي عادته . ومع ذلك فنصه لا يحتمل كل هذا التعسف في التحريف . ونعود إلى أسطورته مرة أخرى ، نضعها تحت المجهر ، ونتفحص كلماتها ، كلمة كلمة ، علنا نلمح في ثناياها ما قد يساعدنا على الاهتداء إلى ما اهتدى إليه المستشرق فران ، فلا نجد إلا سرابا يتمثل في بضع كلمات مراوغة هي : « إلى أن دلهم شخص ماهر » ، و « فعلمه الطريق » . ولكنها لا يمكن أن تعني أكثر من أنه وصف له الطريق ، كما يؤكد ذلك سياق الحديث الذي جاء على الصورة التالية : « إلى أن دلهم شخص ماهر يقال له الربان أحمد بن ماجد ، صاحبه كبير الفرنج . . . وعاشره في السكر ، فعلمه الطريق في حال سكره ، وقال لهم لا تقربوا الساحل من ذلك المكان . . . فلما فعلوا صار يسلم من الكسر كثير من مراكبهم » . فأي عربي يمكن أن يفهم من هذا الحديث أكثر من أن أحمد بن ماجد قد وصف الطريق لكبير الفرنجة ، على افتراض الصحة في رواية النهروالي ؟ أي عربي يفهم من هذا الحديث أن أحمد بن ماجد تولى فعلا قيادة فاسكو دي گاما إلى كليكوت ؟ دليل من التاريخ « يقول باروس . . . أنه بينما كان فاسكو دي گاما في ملندي ، جاء لزيارته بعض البانيان Banyans ( 3 ) من مملكة كنباية من كجرات . فظن فاسكو دي گاما ، إن هؤلاء الهنادكة الذين يقدسون صورة العذراء ( ظنا منهم أنها إحدى آلهات الهندو ) ( 4 ) ، هم من طوائف المسيحيين الذين كانوا في الهند في أيام القديس ثوماس St . Thomas وجاء معهم مسلم من كجرات

--> ( 1 ) دائرة المعارف الإسلامية ، الإنجليزية ، مادة شهاب الدين أحمد بن ماجد . ( 2 ) شتر ، يشتر ، تشتيرا : حطم السفينة . وتشترت السفينة : تحطمت ، اصطلاح بحري مستعمل في الخليج . ( 3 ) طائفة من التجار الهندوس . ويطلق لقب البانيان في الخليج على جميع الهنادكة بغض النظر عن مهنهم وأعمالهم . ( 4 ) الكلمات والجمل المحصورة بين الأقواس في هذه النبذة . هي لفران ، أدخلها لتوضيح النص الأصلي ، حسب تفسيره له .